ابن كثير
482
السيرة النبوية
قال ، وأقبل أبو بكر رضي الله عنه من السنح على دابته حتى نزل بباب المسجد ، وأقبل مكروبا حزينا ، فاستأذن في بيت ابنته عائشة فأذنت له ، فدخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفى على الفراش والنسوة حوله فخمرن وجوههن واستترن من أبى بكر ، إلا ما كان من عائشة ، فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فجثا عليه يقبله ويبكي ويقول : ليس ما يقوله ابن الخطاب شيئا ، توفى رسول الله والذي نفسي بيده ! رحمة الله عليك يا رسول الله ، ما أطيبك حيا وميتا ! ثم غشاه بالثوب . ثم خرج سريعا إلى المسجد يتخطى رقاب الناس حتى أتى المنبر ، وجلس عمر حين رأى أبا بكر مقبلا إليه ، وقام أبو بكر إلى جانب المنبر ونادى الناس ، فجلسوا وأنصتوا ، فتشهد أبو بكر بما علمه من التشهد ، وقال ، إن الله عز وجل نعى نبيه إلى نفسه وهو حي بين أظهركم ونعاكم إلى أنفسكم ، وهو الموت حتى لا يبقى منكم أحد إلا الله عز وجل ، قال تعالى ، " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل " الآية . فقال عمر : هذه الآية في القرآن ؟ والله ما علمت أن هذه الآية أنزلت قبل اليوم وقد قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم " إنك ميت وإنهم ميتون ( 1 ) " وقال الله تعالى : " كل شئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون ( 2 ) " ، وقال : " كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام ( 3 ) " وقال : " كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ( 4 ) " . وقال : إن الله عمر محمدا صلى الله عليه وسلم وأبقاه حتى أقام دين الله وأظهر أمر الله وبلغ رسالة الله وجاهد في سبيل الله ، ثم توفاه الله على ذلك وقد ترككم على الطريقة ، فلن يهلك هالك إلا من بعد البينة والشقاء ، فمن كان الله ربه فإن الله حي لا يموت ،
--> ( 1 ) سورة الزمر 30 ( 2 ) سورة القصص 88 ( 3 ) سورة الرحمن 26 ، 27 ( 4 ) سورة آل عمران 144